حققت المسلسلات التركية خلال السنوات الأخيرة، قفزة نوعية عالمية، بعدما نجحت في الوصول إلى مليار مشاهد في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية، والمنطقة العربية.
وقفزت نسبة المشاهدة من 10 ملايين في عام 2008 إلى مليار مشاهدة اليوم، ما جعل أبطال الدراما التركية نجومًا معروفين على الساحة الدولية، وعزز مكانة تركيا ضمن أكبر 3 دول في صناعة وتصدير المسلسلات التلفزيونية والمحتوى الدرامي، إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا.
فريق "فوشيا" جال في عدد من مواقع تصوير المسلسلات التركية، وتمعّن في تفاصيلها، واكتشف ما تخفيه عدسة الكاميرا.
يعود نجاح الدراما التركية عالميًا إلى عوامل مترابطة لا تقتصر على الحبكة الدرامية والسيناريو والتمثيل والإخراج والموسيقى فحسب، بل إلى إنتاج ضخم، واستثمار مادي هائل، ودعم رسمي من أعلى المستويات لقطاع تعتبره تركيا أكثر من مجرد ترفيه، إذ تدرجه ضمن ركائز صناعة الصورة الإعلامية والماركة التركية، وأحد أدوات الدبلوماسية والقوة الناعمة والاقتصاد.
وبحسب مسؤولين أتراك شاركوا في منتدى "السردية العالمية للعلامة التركية: المسلسلات التركية"، وهو حدث نظمته دائرة الاتصال بالرئاسة التركية بالتعاون مع هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، في منطقة أتاشهير بمدينة إسطنبول، وحضره موقع "فوشيا"، فإن المسلسلات التركية تؤدي دورًا محوريًا في نشر الثقافة التركية عالميًا والعودة بمردود اقتصادي ومعنوي.

خلال المنتدى، شرح المسؤولون الأتراك، ومن بينهم وزير السياحة والثقافة البروفيسور محمد نوري آرصوي، ورئيس الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون التركية (RTÜK) محمد دانيش، ونائب مدير عام هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) يوسف شيشميك، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية البروفيسور برهان الدين دوران، وعميد كلية الاتصال في "جامعة أنقرة حاجي بيرم ولي" الحكومية محمد سيزاي تورك، والمنتج أونور جوفيناتام، كيف تسهم المسلسلات التركية في تأدية هذا الدور القومي والاقتصادي.

وقال المسؤولون الأتراك إن الدراما تسمح للعالم بالتعرف إلى الثقافة التركية والقيم والجغرافيا والطبيعة واللغة والمطبخ، وتثير الفضول نحو اكتشاف المزيد عبر زيارة تركيا، وتحديداً مواقع تصوير المسلسلات في إسطنبول، والاستمتاع بمناظرها الخلابة في لوحات طبيعية تمزج بين جبال خضراء وسماء صافية ممزوجة بأزرق بحر مضيق البوسفور والسفن العابرة وطيور النورس، مع تذوق الأطباق الشهية التي يتناولها الممثلون في المسلسلات، وربما مصادفة أحدهم والتقاط صورة selfie معه.

وإلى جانب تعزيز السياحة، تسهم صناعة المسلسلات التركية في توفير آلاف فرص العمل وتحقيق عائدات كبيرة من تصدير المسلسلات إلى الخارج، وتنشيط قطاعات أخرى مثل سوق الإعلانات والخدمات التقنية والبناء.
وهكذا تتحول المسلسلات التركية من عنصر فنّ وترفيه إلى جزء من الدبلوماسية والسياسة الثقافية والاقتصادية، وأداة لتصدير الثقافة والتقارب بين الشعوب.
تقدَّر صناعة الدراما التركية بملايين الدولارات، يتم إنفاقها- أو بالأحرى استثمارها- في بناء وتطوير البنية التحتية اللازمة، من مواقع تصوير ترقى إلى وصفها بـ"مدن تصوير"، بعضها صُمّم خصيصاً للمسلسلات، من أجل توفير بيئة مناسبة زمنياً ومكانياً للدراما التاريخية والرومانسية والشعبية وغيرها.
واستفادت هذه الصناعة من المواقع الطبيعية والتاريخية في إسطنبول، والتي تعود إلى حقبة السلطنة العثمانية، لاستلهام بعض القصص الدرامية وتصويرها في مواقعها الأصلية إذا توفرت، في حين قامت بتشييد استديوهات كاملة من ألواح الجبس (gypsum board) بمساحات شاسعة، لتحاكي المواقع التاريخية والأحياء الشعبية في حال تعذر توفر المواقع الحقيقية لأسباب مثل تآكل بنيتها طبيعياً، أو حمايتها من الإضاءة والعوامل الخارجية، أو فتحها للسياح.

كما استغلت الدراما التركية التنوع البصري في مدينة إسطنبول، بين المباني الأثرية التاريخية، والبيوت القرميدية المنتشرة في المساحات الخضراء، والمنازل الراقية المطلة على مضيق البوسفور، والأحياء الشعبية المكتظة، لاستنباط سيناريوهات تحاكي المدينة وتنتقل بين التاريخ والواقع والخيال.
واللافت أن بعض هذه المواقع تحوّل من موقع تصوير مفبرك أو منطقة منسيّة، إلى وجهة سياحية تستقطب الزوار لاختبار روح الثقافة التركية المنقولة في المسلسلات، ومعاينة مناطق جذابة صورياً Photogenic و Instagrammable ، مثالية لمحبّي إنستغرام، في عصر الصورة الذي نعيشه... وكلها، شكلت عوامل رافعة لاقتصاد هذه المناطق، وبات سكانها ينتظرون الزوار لبيعهم تذكارات وأكسسوارات مستوحاة من المسلسلات وأبطالها.

هكذا، باتت صناعة المسلسلات التركية بمثابة جسر يربط الفنّ بالاقتصاد والتواصل مع الشعوب، وتندرج ضمن رؤية تركية مستدامة لإظهار حضور عالمي، مستفيدةً من التاريخ والجغرافيا والاستثمار والانتشار الرقمي، لترسيخ مكانة عالمية في هذا القطاع.