مع كل موسم رمضاني يعود النقاش نفسه إلى الواجهة في المغرب: هل يضر عرض المسلسلات التركية، بالدراما المحلية أو أنها مجرد خيار برمجي ناجح للقنوات؟
وهذا العام مع اقتراب موسم دراما رمضان 2026 من نهايته، تجدد الجدل بقوة بعد برمجة عدد من الأعمال التركية في أوقات الذروة للمشاهدين؛ ما أثار نقاشًا واسعًا بين الجمهور والمنتجين وصناع الدراما.
يفسر الناقد السينمائي والصحفي المغربي عبدالرحيم الشافعي، في تصريحات خاصة لموقع "فوشيا" أسباب الجدل التي يثيرها عرض الأعمال الدرامية التركية، ضمن الموسم الدرامي الرمضاني في المغرب سنوياً.

يقدم الشافعي قراءة تحليلية لأسباب ظاهرة عرض الأعمال الدرامية التركية، ومزاحمتها للأعمال المغربية في موسم دراما رمضان، وتداعياتها على الصناعة الدرامية المغربية، حيث يرى أن جذور المشكلة تعود أساسًا إلى العامل الاقتصادي، فالمسلسلات التركية، أقل تكلفة بكثير من إنتاج مسلسل محلي.
ويقول الشافعي: تعتبر القنوات المغربية أن الدراما التركية، خيارًا آمنًا، كونها تحقق نسب مشاهدة مرتفعة وتضمن إيرادات إعلانية جيدة، خاصة لدى النساء والفئات العمرية المتوسطة، بسبب طبيعة قصصها العاطفية المكثفة والصراعات الأسرية التي تجذب المتابعين؛ ما يجعل القنوات تميل إلى شراء الأعمال الأجنبية بدل الاستثمار في إنتاجات محلية، قد تحمل مخاطر مالية وتسويقية أكبر.
مشكلة اهتمام القنوات المغربية بالدراما التركية على حساب الدراما المحلية، لا تتوقف عند تفضيل هذه الأعمال فقط، بل تمتد إلى توقيت عرضها، فبرمجة المسلسلات التركية في أوقات الذروة الرمضانية، تقلل فرص المنافسة العادلة مع الأعمال المغربية، وتؤثر مباشرة في نسب المشاهدة والإيرادات الإعلانية الخاصة بها.
ويوضح: حين تعرض الأعمال التركية في أوقات الذروة، يشعر المنتجون والجمهور المهتم بالهوية الثقافية بأن الإنتاج المحلي يتم تهميشه، ما يدفع بعض صناع الدراما المغربية إلى تقليد النموذج التركي بدل تطوير أسلوب محلي أصيل، وهو ما ظهر في عدد من المسلسلات المغربية التي أصبحت تعتمد فضاءات درامية بعيدة عن الواقع المغربي، مثل: الفيلات الفخمة والشقق الفارهة كمسرح للصراعات الاجتماعية.
من وجهة نظر نقدية، يؤكد الشافعي أن المسلسلات التركية تعد منافسًا مباشرًا للدراما المغربية، لأنها تتوجه إلى الجمهور نفسه وتتنافس على الموارد الإعلانية نفسها، لكن هذه المنافسة ليست متكافئة دائمًا، ويبين الناقد الشافعي، أن الدراما التركية تعتمد على إنتاج بصري ضخم وقصص رومانسية مكثفة، بينما تحاول الدراما المغربية معالجة الواقع الاجتماعي المحلي والقيم التقليدية. ويقول: هذا الاختلاف يجعل المقارنة أحيانًا غير عادلة، لأن كل نوع يخاطب الجمهور بطريقة مختلفة.
رغم الانتقادات الموجهة للقنوات المغربية في تفضيل الدراما التركية، يرى الشافعي أن النجاح الكبير للأعمال التركية قد يشكل حافزًا لتطوير الإنتاج المغربي، كون بعض التجارب المحلية أثبتت أن رفع جودة الإنتاج ممكن، مثل: مسلسلات "بين لقصور" و"أحلام بنات" للمخرج هشام جباري، التي نجحت في تقديم صورة بصرية متطورة نسبيًّا، لكن هذا التطوير يبقى محدودًا بسبب التحديات المالية والاعتماد الكبير على الإعلانات كمصدر أساسي للتمويل.

عن سبب انجذاب الجمهور المغربي إلى المسلسلات التركية، يوضح الشافعي أن الأمر يعود إلى عدة عوامل، هي: جودة الإنتاج التقني والبصري، والإيقاع السريع للأحداث، والتشويق العاطفي المكثف، والدبلجة إلى الدارجة المغربية، والرغبة النفسية في الهروب من ضغوط الحياة اليومية، ويقول: هذا الترفيه الإدماني يجعل كثيرًا من المشاهدين يفضلون الدراما التركية، حتى لو كانوا واعين بأهمية دعم الإنتاج المحلي.

من زاوية نقدية، يرى الشافعي أن المشكلة ليست في وجود المسلسلات الأجنبية بحد ذاته، بل في ضعف بعض الإنتاجات المحلية. ويقول: السيناريو هو الأساس. عندما يكون النص ضعيفًا تصبح المنافسة غير متكافئة. وجود المسلسلات التركية يصبح مشكلة فقط حين يكشف ضعف الإنتاج المحلي. فهل يمكن أن يتحول الجدل إلى فرصة؟
رغم الجدل القائم، يرى الشافعي أن النقاش الحالي قد يتحول إلى فرصة إيجابية لصناعة الدراما المغربية، فإذا تم استثمار الضغط الجماهيري بشكل إستراتيجي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى: دعم أكبر للإنتاج الوطني، وتحسين جودة النصوص والإخراج، ووضع سياسات برمجية أكثر توازنًا، فضلاً عن تعزيز حضور الهوية الثقافية في الأعمال الدرامية.
ويختم الشافعي رؤيته قائلاً: إذا تم التعامل مع هذا الجدل بذكاء، فقد يشكل نقطة تحول نحو دراما مغربية أكثر قوة وأصالة، قادرة على المنافسة دون فقدان هويتها الثقافية.