كوني جميلة.. واخرسي!

كوني جميلة.. واخرسي!

فوشيا - وئام غداس

كتبت الزميلة وئام غداس مقالا في موقع “إرم” حول مارلين مونرو التي خلدها جمالها، تحت عنوان “كوني جميلة واخرسي”.

فيما يلي نص المقال:

حتى وقت طويل كان هذا المثل الفرنسي (كوني جميلة واخرسي) مطابقا تماما لنجمات سينمائيات كثيرات وربما حتى اليوم، كأن تعارض الجمال الفتان بالعقل قدر لا مناص منه عندهن، وأنهن مجبرات إما أن يكنّ هذه المرأة أو تلك، جميلة فقيرة المعارف وبالتالي خرساء، أو عادية بعقل ثقيل، موزون، غنيّ، وبفمٍ متكلّم.

مرت منذ أيام الذكرى 53 لرحيل نورما جين مورتنسن أو مارلين مونرو إحدى ألمع نجمات الخمسينات من القرن الماضي، امرأة خلد جمالها بمعنى الكلمة، ومع مرور السنوات بات بإمكاننا التحدث عن قالب جمالي مارلينيّ ماتزال نساء عاديات ومعروفات تحاولن دخوله، لكن مارلين أيقونة الأنوثة والإغراء في كلّ عصر لم تكن أكثر من كائن حزين، عاشت جزءا كبيرا من حياتها تحاول نزع قشور صورة فرضت عليها، وتقاوم تهمة الغباء بسبب الجمال، تفطنت أن ظروفها السيئة منذ ولادتها أجبرتها على العيش داخل جسد آخر، ليس قريبا من جوهرها ولا حتى متصالحا معه، هي التي قالت: “لدي إحساس عميق بأنني لست حقيقة تماما بل إنني زيف مفتعل ومصنوع بمهارة، وكل إنسان يحس في هذا العالم بهذا الاحساس بين وقت وآخرـ ولكنني أعيش هذا الإحساس طيلة الوقت، بل أظن أنني لست إلا إنتاجا سينمائيا فنيا أتقنوا صنعه”.

لم تكن مارلين تعرف والدها، فقد ولدت من علاقة غير شرعية ولأمّ تكاد لا تكون صاحية أبداً، تعاني من أمراض نفسية تلزمها المصحات العقلية بشكل مستمرّ، تربت الفتاة الصغيرة داخل ملجأ للأيتام، وعاشت طيلة حياتها تدفع ضريبة لقب اللقيطة الذي بقي لصيقا بها، محرومة من الحب والحنان، معاقبة بذنوب لم تقترفها، نهبا للتحرش الجنسيّ، منبوذة، بائسة وبلا أحدٍ، كل هذا دفعها للزواج من أول رجل يعترض طريقها، الرجل المدمن أخرجها من جحيم لكن إلى جحيم آخر.. وبجمال مغشوش-لم تكن مارلين مونرو شقراء حقيقية- استطاعت دخول عالم الأضواء، لمع نجمها وصعد بعيدا في سماء هوليود لكن شيئا لم ينقذها من حزنها المقيم في أعماقها.

في شهر أغسطس1962 ماتت مارلين مونرو منتحرة بسبب جرعة زائدة من المهدئات التي لم تكن تنقطع عن تناولها، بعدما يئست من محاولات الخروج من دور الشقراء البلهاء في السينما كما في الحياة، كان ثمة صورة هوليودية مفبركة لم تنظر إليها يوما إلا على أساس مصدر إغواء، ورمز جنسيّ في حين أنها تطلعت كثيرا إلى أن تكون في أعين الناس أكثر من ذلك.

يكتشف الجمهور مؤخرا وأخيرا جانبا آخر من جوانب شخصية مارلين وقد تمثل في محاولاتها الكتابة، وقد عرف عنها أنها كانت مولعة بالقراءة، لكن يبدو أنها كانت تجد نوعا من التصعيد الحقيقي في فعل الكتابة ونوع من الهروب إلى الداخل، إلى أعماق روحها بتدوين أشياء هنا وهناك منها الخواطر ومنها القصائد وأيضا بعض اليوميات، جمعت كل هذه التدوينات في كتاب صدر مؤخرا عن دار نشر فرنسية بعنوان “شظايا” وفيه تأملات مونرو في الفترة الممتدة بين عام 1943 حتى عام 1962 تاريخ موتها، كتبت في الخمسينات “كم كنت تافهة أنا لا أعرف شيئا عن الفن ولا أعرف أسماء الرسامين والموسيقيين وليس لي علم بالتاريخ ولا بالأدب”، عندها فقط قررت دراسة تاريخ الفن وقراءة أكثر ما أمكنها من كتب، تزوجت من الكاتب الكبير هنري ميللر الذي انفصلت عنه أيضا وكانت قد وعدت نفسها قبل ذلك بحياة سعيدة ودائمة معه.

امرأة مشتتة كذا كانت مارلين مونرو صاحبة الضحكة الأوسع والحضور المبهج، المؤلم ما تكشفه كتاباتها من تخبّط بين خارج صاخب ملوّن وداخل بائس قاتم، مارلين مونرو أو حزن الجمال.