هل ترجل الشعراء المعاصرون عن فرس الغزل؟

هل ترجل الشعراء المعاصرون عن فرس الغزل؟

لاما عزت

في زمن العولمة الذي حول العالم الى قرية صغيرة هل نمتلك الجرأة في التعبيرعن الحب، الجسد، والتطرق الى التابوهات، “الجنس الدين والسياسة”؟

يبدو أننا نعيش زمنًا متخفين وراء شاشات الكمبيوتر، مفتقدين للجرأة في التعبير الحر، وكأننا نرتدي أقنعة، والمقصود هنا المجتمع الذي يبدو في شكله الظاهري أنه مجتمع حر، ولكن ما أن نقترب منه حتى نجد هوة كبيرة رغم التطور التكنولوجي ومفاهيم الحداثة والانفتاح.

ما بين التعبير الأدبي قبل قرون والتعبير الأدبي اليوم، الذي ابتعد كثيرًا عن مفاهيم الحرية والجرأة، وفي ظل هذا الواقع شاعت مفاهيم التحريم والعيب والممنوع والقيود الاجتماعية، وأصبح الجسد والجنس من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها.

في عودة سريعة إلى الروايات والسرديات الكبرى في التراث العربي، تدهشنا جرأة الرواة في “ألف ليلة وليلة”، هذه الحكايات الأسطورية التي كلما مر عليها الزمن تنقح ويحذف منها الكثير نظرًا لجرأتها في تناول جسد المرأة والجنس.

هذا المثال، يجعلنا نتساءل هل كان الكاتب سابقًا متصالحا مع الجسد بعيدًا عن التحريم؟

سؤال تصعب الإجابة عليه، ولذلك لابد من المرور قليلاً على بعض النصوص والقصائد التي أسهمت في إظهار مفاتن المرأة وجمالها دون قيود…

baf2899b-3957-43f5-ba47-917b99dea13b_16x9_600x338

وبما أن الشعر هو ديوان العرب، فمن المهم أن نستشهد بنماذج تبرهن على أن الشعراء القدامى كانوا أكثر جرأة من الشعراء المعاصرين، سواء في التعبير عن الحب العذري أو في رصد المفاتن الحسية للمحبوبة.

وتجلت هذه الجرأة عند الكثير من الشعراء، من بينهم، مثلا، امرؤ القيس عندما تمادى في وصف العلاقة الحميمة مع امرأة حبلى ومرضع تمارس الحب معه في ذات الوقت، بل أكثر من هذا فإنه ينسج حكاية شعرية كاملة تصف الحوار بينه وبين حبيبته، و صوت الحب حين يتحول إلى همس، وهو الفارس الذي لايهمه شيء:

فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ

فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ

بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ

أما عنترة العبسي فقد أرتبط اسمه بإسم عبلة التي كان يتخيلها وهو في أتون المعركة، واشتهر بشعر الفروسية  وعرف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة:

ولقد ذكرتُكِ والرماح نواهلٌ

مني وبِيض الهندِ تقطُرُ من دمي

فودِدْتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها

لمعت كبارقِ ثغرِكِ المتبسِّمِ

download

وفي العصر الإسلامي تستوقفنا تجربة  شاعر الغزل والنساء عمر بن أبي ربيعة، والذي يمثل شخصية الدونجوان المسكون بالجمال.

يصف عمر نفسه أنه معني بالجمال مولع بالحسن يتبعه حيث كان، فشعره لايعنى بوصف حبه فقط، بل يصف المرأة نفسها، وأحاسيسها، أي يصفها وصفًا نفسيًا، فهو لا يشكو الغرام والعشق، بل محبوبته هي التي تشكو من ذلك وهي التي تتعذب في حبه وتتمنى لو تراه.

أما مطيع بن إياس الشاعر المشهور بالمجون والتهتك فيقول:

ولما بدا فرجها كرأس حليق ولم يعتمد

سجدت إليه وقبلته كما يفعل الساجد المجتهد

12

ولو انتقلنا إلى العصر العباسي تستوقفنا  جرأة أبي نواس وحديثه عن خمرياته ونسائه. أبو نواس، الشاعر، الساحر، العربيد الذي كان يجهر بزندقته ويتهتك في فجوره، و كان اسمه يدوى في المدائن الثلاث الكبرى: بغداد و البصرة و الكوفة، والأهم أنه أكد بأن أطيب اللذات ما كان جهارا، ومعلنا:

يقول ابو نواس متغزلا بحبيبته زبيدة:

 نظرت  عيني لحيني … وزكا وجدٍ لبينِ

من غزال قد سباني..تحت ظل السدرتين

صبّت الماء عليها  بأباريق اللجين

فاض منها سترته بان من تحت اليدين

ليتني كنت عليها ساعة أو ساعتين

صعب جدًا أن نحصي موضوع المرأة والغزل، فقد ورد عند المتصوفة الحلاج، والنفري، وابن عربي الشيخ الأكبر الذي ينسب له مقولة يعلي من قيمة الحب، ويكاد يرفعه لمرتبة القداسة: أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني.

نزار-قباني

وعند الانتقال من الماضي البعيد إلى الأدب المعاصر، نجد ابتعاد الشعراء عن الموضوعات، لاسيما الغزل، فالحب يأتي خجولا وكأنه نسمة.

ولم نعد نسمع عن ثنائيات عاشقة راجت في العهود الغابرة مثل قيس بن الملوح الذي هام حبا بليلى، أو قيس ولبنى، أو عنترة وعبلة، وحتى شعر المتصوفة يتصاعد  ليكون حبًا إلهيًا خالصًا، لكن في العصر الحالي تندر مثل هذه الملامح الغزلية في الأدب، وتستوقفنا تجربة الشاعر نزار قباني الذي يقول في 100 رسالة حب:

أريدُ أن أعلَّم نهديْكِ الكسوليْنْ

كيف يُهجِّيان اسمي..

وكيف يقرءان مكاتيبي

أريدُ .. أن أجعلكِ اللغة..

ويقول أيضاً:

كان في نيّتي _عندما أحببتكِ

أن أكسر أبوابَ الحريم

وأنقذَ أثداءَ النساء..

من أسنان الرجال..

وأجعلَ حَلَمَاتهنّ

ترقصُ في الهواء مبتهجة

كحبّات الزعرور الأحمر..

محمود درويش

أما محمود درويش فنجد مفهوم الحب عنده يأخذ بعدا فلسفيا، كما نلاحظ في هذه القصيدة “لا أنام لأحلم”:

لا أَنام لأحلم قالت لَه

بل أَنام لأنساكَ. ما أطيب النوم وحدي

لا شيء يوجعنى فى غيابكَ

لا الليل يخمش صدرى ولاشفتاكَ…

لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَ

تَدقَّان قلبى كبنْدقَة عندما تغلق الباب

لاشيء ينقصنى فى غيابك:

نهداى لي. سرَّتي. نَمَشي. شامتي،

 ويداي وساقاي لي. كلّ ما فى لي

الموضوع طويل وممتع، فشعر الغزل هو من أعذب ما كتب في ديوان العرب، غير أن القيود السياسية والاجتماعية والدينية لجمت الشاعر، في وقتنا الحالي، وأزاحته عن فرس الغزل، فانكفأ إلى زاوية صغيرة في غرفة وحاسوب أصغر يجلس الشاعر أمامه متسولا حبا افتراضيا لن يأتي إلا معتما خجولا كمن يسرق شيئا وهو خائف أو كمن يتسول “لايك” ليرضي عتمة روحه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: desk (at) foochia.com